ابن سبعين

109

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

وفي فيض القدير في حديث : « أتموا الصفوف » ما نصه : قال في المطامح في أبي داود عن معاوية ما يدل على أن هذا كان في أواخر عمره . ولذا قال عياض : كان ذلك له بعد ليلة الإسراء كما كان موسى يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء من عشرة فراسخ بعد ليلة الطور ، انتهى منه بلفظه . قال الشيخ جعفر الكتاني : وعياض ذكر هذا في الشفاء في فصل وفور عقله صلّى اللّه عليه وسلّم من الباب الثاني فراجعه . وفي الحديث عن عائشة رضي اللّه عنهما أنها سئلت عن هذا الإدراك ، فقالت : « زيادة زاده اللّه إيّاها في حجته » ، وهو بضم الهاء ، يعني في معجزته . وضبط بعضهم لها وهو بفتحها على أن معناه أن هذه الزيادة إنما وقعت له في آخر عمره في حجة الوداع ، غير صحيح . مراقبة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه ، وقد ذكروا من جملة فوائد هذه الأحاديث مراقبة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه في حالة الصلاة ، كما أنه كان يراقبهم في غيرها من الأحوال سرّا وعلانية ، ظاهرا وباطنا ، غيبة وحضورا ، وقد كان على قدمه في هذا كبار العارفين والأولياء ، حتى كان الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي اللّه عنه كثيرا ما يقول لأصحابه على كرسيه : إني أراكم كالزجاجات . وكم من مريد أراد أن يرتكب بعض المحرمات وهو غائب عن شيخه ، فخرج عليه ومنعه من ذلك ، وقضاياهم في هذا كثيرة : منها : إنه وقع لعارف أن مريده أراد الزّنا بامرأة ، فلما همّ سمع صوت شيخه من بلاد بعيدة يقول له : هكذا تفعل يا فلان ، ففرّ هاربا . ووقع لآخر مع مريده في نظير هذا أنه ما شعر إذ هم إلا والشيخ قد لطمه لطمة أذهبت بصره ، فخرج وأمر من جاء به إلى الشيخ ، فقال : ادع اللّه لي أن يرد بصري ، فإني تائب إلى اللّه تعالى ، فقال : نعم ، ولكن لا تموت إلا أعمى ، فدعى له فردّ عليه بصره ، ثم عمي قبل موته بثلاثة أيام .